حبيب الله الهاشمي الخوئي
298
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
إلى ما يلي الأبد ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز ، فهو تعالى أوّل بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس ، انتهى . ومراده بالترتيب المنعكس أنّ الأشياء إذا نسبت إلى أسبابها وقفت عنده ، وذلك انّك إذا نظرت إلى وجود شيء وفتّشت عن سببه ثمّ عن سبب سببه وهكذا فتنتهى بالأخرة إليه تعالى ، لأنّه آخر ما ينحلّ إليه اجتماع أسباب الشّيء ، فظهر بذلك أن كونه أوّلا وآخرا إنّما هو بالنّظر إلى ذاته المقدّس لا باعتبار تقدّمه زمانا وتأخّره زمانا ، لكون الزمان متأخّرا عنه تعالى إذ هو من لواحق الحركة المتأخّرة عن الجسم المتأخّر عن علَّته ، فلا يلحقه القبليّة والبعديّة الزمانية فضلا أن تسبق عليه أو تلحق به ، فلم يكن شيء قبله ولا بعده لا من الزمانيات ولا من غيرها . وذكر الشّارح المعتزلي في المقام وجها آخر وهو أن يكون المراد أنه الذي لم يكن محدثا أي موجودا قد سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشيء من الأشياء اما المؤثر فيه أو الزمان المقدّم عليه وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيما لا يزال فيقال إنه ينقضي وينصرف فيكون بعده شيء من الأشياء الزمان أو غيره . ( والرادع اناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ) أراد به امتناع رؤيته سبحانه لكونه تعالى منزها عن الجهة والمكان ، والباصرة لا تتعلَّق إلَّا بما كان فيهما وقد تقدّم تفصيل ذلك وتحقيقه بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين وهذا اللَّفظ وإن كان بظاهره يعطي مذهب الأشاعرة من أنّ الله يجوز إداركه ورؤيته ولكنه خلق في الأبصار مانعا عن إدراكه ، إلَّا أنّه لا بدّ من تأويله وحمله على ما ذكرنا بعد قيام الأدلَّة القاطعة من العقل والنقل على استحالة إدراكه من حيث ذاته . ( ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ) أراد بذلك كونه منزّها عن لحوق الزمان وعن التغيّرات الجارية على الزّمانيات فانّ مبدء التّغيرات والاختلاف في الأحوال هو الزمان ، فلما كان متعاليا عن الزمان كان منزّها عن اختلاف الحالات الذي هو من لواحق الامكان .